فريق العمل
مجاهد الصافي
باحث وطالب دكتوراه علم اجتماع التنظيم جامعة النيلين.
عضو الشبكة العربية للباحثات والباحثين الشباب في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
ويني عمر
أمنة عبد المطلب
باحثة في قضايا المرأة والتعليم، ناشطة في مجال العمل الطوعي
عضوة الشبكة العربية للباحثات والباحثين الشباب في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
حسان عبد الناصر
باحث سوداني، بكالوريوس الجيولوجيا الهندسية، جامعة البحر الأحمر، وماجستير علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، مهتم بتوظيف العلوم الإنسانية في التنمية المستدامة، وفي الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، منشغل بقضايا التعدين والمجتمعات المحلية.
عضو الشبكة العربية للباحثات والباحثين الشباب في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
كلمات مفتاحية
مقدمة
من الملاحظ وبحسب المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية فإن السودان يعاني من بعض المشكلات قبل اندلاع الحرب، ويأتي على رأسها عدم استقرار سعر الصرف حيث يؤثر في قدرة المواطنين على شراء احتياجاتهم اليومية حيث يؤثر سعر الصرف في أسعار المواد الغذائية والأدوية الطبية. في ظل هذا هناك ارتفاع في معدل التضخم والبطالة وعدم الحصول على خدمات جيدة وموزعة بعدالة، ويعتبر النزوح من الظواهر التي يعاني السودان منها حيث تمركزت الخدمات العامة في المدن ما سبب نزوحًا من الأطراف إلى الوسط وإفقار الريف. مع اندلاع حرب 15 إبريل 2023 وقعت أضرار واسعة وتقدر قيمة الخسائر الأولية بحوالي 50 مليار دولار كخسائر مادية مباشرة نتيجة الإنفاق العسكري اليومي والدمار الذي لحق بالبنى التحتية والمواقع التاريخية. بالإضافة إلى ذلك فإن هناك تقديرات تشير إلى أن هناك 300 مصنع ومؤسسة إنتاجية تعرضت للدمار الكامل ونهبت مخازنها، ما أحدث خسائر كبيرة في وسط رجال الأعمال السودانيين. مع كل هذه الانهيارات فإن واقع العمال يعد الأسوأ حيث فقدوا حوالي 80 في المئة من الأعمال اليومية في العاصمة، ما أثر في حياة أكثر من 6 ملايين من سكانها البالغ عددهم نحو 9 ملايين شخص. بينما الإحصائيات تذكر أن 12 مليون شخص نزحوا داخل وخارج السودان بسبب القتال الدائر في الخرطوم وولايات إقليم دارفور غربي البلاد.

أولاً-العمل

التطورات
في 12 أيلول/سبتمبر، أعلنت الأمم المتحدة ومنظمة “أنقذوا الأطفال” (Save the Children) أن نحو سبعة ملايين طفل سوداني محرومين من التعليم وأن نحو 12 مليون طفل يواجهون خطر الانقطاع عن التعليم ويلامس التضخم شهريًّا نسبة 200% وقيمة العملة تتراجع وسعر الخبز ازداد عشرة أضعاف منذ الانقلاب.
أصبحت الأنظمة الأساسية والخدمات الاجتماعية في السودان على وشك الانهيار، مع عدم حصول العاملين في الخطوط الأمامية على رواتبهم لمدة عام، واستنفاد الإمدادات الحيوية، واستمرار تعرض البنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس، للهجوم. إن حصول الأطفال والأسر على الرعاية الصحية والتغذية والمياه والصرف الصحي معلق بخيط رفيع، ما يزيد من تفاقم الأزمة.
قالت ممثلة المنظمة في السودان، مانديب أوبراين: “السودان على وشك أن يصبح موطنًا لأسوأ أزمة تعليمية في العالم، حيث تعرض الأطفال لأهوال الحرب لحوالي نصف عام. الآن، بعد أن أُجبروا على الابتعاد عن فصولهم الدراسية ومعلميهم وأصدقائهم، فإنهم معرضون لخطر الوقوع في فراغ سيهدد مستقبل جيل كامل”.1
1 https://tinyurl.com/292ckrqo الوكالة السودانية للأنباء، لقاء نائب رئيس مجلس السيادة بوزير الداخلية. 14 أبريل 2024م.

النوع الاجتماعي
أثر التضخم في كثير من الأسر، حيث منعت الفتيات من الذهاب إلى المدرسة ومشاركة أمهاتهن في نظافة البيوت لكسب لقمة العيش. أدت الأعمال العدائية المستمرة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الطفل من عام 2022 إلى عام 2023 إلى زيادة بمقدار خمسة أضعاف في تجنيد الأطفال واستخدامهم من قبل القوات المسلحة والجماعات المسلحة، وتعرضهم لممارسات القتل والتشويه والعنف الجنسي. شهد عام 2023 أكبر عدد من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الطفل التي تمت في السودان منذ أكثر من عقد. ومن المرجح أن تكون الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من تلك المبلغ عنها نظرًا إلى الصعوبات الشديدة في التحقق من الانتهاكات بسبب مشاكل الوصول.
أصبح كل الأطفال في سن المدرسة معرضين للارتداد إلى الأمية في الصفوف الدنيا والتسرب في الفصول العليا، ومن المتوقع أن يعاني حوالي 4 ملايين طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد هذا العام، بما في ذلك 730 ألف طفل من المتوقع أن يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد الذي يهدد حياتهم.1
1 تقرير الرعاية الاجتماعية. وزارة التنمية والرعاية الاجتماعية. رئاسة مجلس الوزراء. استعراض فبراير 2024م.

الشباب
تقدم اليونيسف الخدمات الأساسية المنقذة للحياة في مجالات حماية الطفل والعنف القائم على النوع الاجتماعي والصحة والتغذية والمياه والصرف الصحي والتعليم والدعم النقدي للأطفال والأسر الأكثر هشاشة. تطلب اليونيسف بشكل عاجل مبلغ 240 مليون دولار للأشهر الستة المقبلة لمنع المجاعة في 93 منطقة من المناطق الأكثر هشاشة في السودان، والتي تضم 3.5 مليون طفل دون سن الخامسة1
1 اليونيسيف، مؤشرات وضع الطفولة والأمومة في السودان،https://uni.cf/3V1QsWR

البيئية
إن الجوع وسوء التغذية يجعلان الأطفال أكثر عرضة للإصابة بالمرض والموت. ومع الانخفاض الكبير في تغطية اللقاحات بسبب القتال، وافتقار مئات الآلاف من الأطفال إلى إمكانية الوصول إلى مياه الشرب الآمنة، ووجود مشكلات كبيرة في الوصول إليها بسبب أعمال العنف، فإن تفشي الأمراض المستمرة مثل الكوليرا والحصبة والملاريا وحمى الضنك يهدد حياة مئات آلاف من الأطفال. وتعد الزيادات الحادة في معدل الوفيات، وخاصة بين الأطفال النازحين داخليًّا، بمثابة تحذير مسبق من احتمال وقوع خسائر فادحة في الأرواح، مع دخول البلاد موسم الجفاف السنوي.1
1 المرصد السوداني لحقوق الإنسان، تقرير مارس – إبريل 2024م ، النشرة الدورية، السودان 2024م.

ثانياً-الصحة

التطورات
تدهورت أوضاع الحَمل منذ اندلاع الحرب بسبب عدم وجود مرافق صحية، وخروج عدد من المستشفيات من الخدمة، حيث خرج من الخدمة بشكل كامل أو جزئي نحو61 مستشفى من أصل 85 مستشفى أساسي في العاصمة والولايات، ومن ضمن 24 مستشفى الأخرى يقدم البعض خدمات الإسعافات الأولية فقط، وتعد هذه المستشفيات أيضًا مهددة بالإغلاق بسبب نقص الكوادر والإمدادات الطبية والتيار الكهربائي والماء1.
1 https://www.aljazeera.net/ مزدلفة عثمان، مراسلو الجزيرة نت، 61 مستشفى خارج الخدمة.. لهذه الأسباب القطاع الصحي بالسودان مهدد بالانهيار، 2024م .

النوع الاجتماعي
تعرضت النساء الحاملات للوفاة أثناء الحمل أو الولادة هذا العام أكثر من الأعوام السابقة نتيجة تدهور الوضع الصحي وتدمير المرافق الصحية نتيجة الحرب. حيث تتعرض حوالي 67 ألف امرأة حامل لخطر الإجهاض. وحذر صندوق الأمم المتحدة السكان من تعرض حياة 220 ألف سيدة حامل في الخرطوم للخطر نتيجة اشتداد القتال في عام 2023 وناشد أطراف النزاع السماح بوصول المساعدات الإنسانية1.
1 https://www.bbc.com/ عربي، السودان: القتال يحرم النساء الحوامل من الرعاية الصحية ويعرض حياتهن للقتال، إبريل 2023مBBC.

الشباب
تشير التقارير والإحصائيات إلى تعرض الفتيات للوباء بسبب عدم الوصول إلى المرافق الصحية وذلك بسبب الحرب التي دمرت المرافق الصحية أو نتيجة لتواجد الشباب في المناطق ذات العمليات العسكرية الشديدة حيث يتحولوا إلى أهداف لأحد الأطراف. كما تعتبر أكثر من 70 في المئة من المرافق الصحية في المناطق المتضررة من النزاع في السودان غير صالحة للعمل أو مغلقة، وهو ما يشير إلى الانهيار الفعلي لنظام الرعاية الصحية في السودان، وهذا لا يهدد حياة عديد من السودانيين في الوقت الحاضر فحسب، بل يهدد أيضًا الأجيال القادمة1.
1 Rescue.org, Crisis in Sudan: What is happening and how to help, August 20, 2024, https://www.rescue.org/

البيئية
حتى المرافق الصحية المتبقية في الخدمة منذ عام 2003 لا تعتبر جيدة بما فيه الكفاية بسبب عدم نظافتها، وانعدام الحركة بين المحليات والمدن والتعدي على المرافق أيضًا وتحويلها إلى أهداف عسكرية.

ثالثاً-السكن

التطورات
يمثل السكن إحدى المشكلات التي تواجه السكان في العاصمة الخرطوم والمدن ذات القدرة الاقتصادية في أقاليم السودان المختلفة، يتحكم في قطاع السكن شبكات من السماسرة، الذين يسيطرون على العرض والطلب ما يؤثر في إمكانية حصول المواطنين على السكن اللائق الذي يتناسب مع إمكانياتهم المادية.
بعض الأسر تختار أن تسكن في المناطق العشوائية لدفع إيجار أقل مع انعدام الخدمات تقل جودة المساكن حيث يعاني سكان المناطق الطرفية والمناطق البعيدة عن مراكز المدن من انعدام الأمن بسبب انتشار الجريمة.
يتم تفتيش المناطق السكنية التي تقع في هامش مدنية الخرطوم، العاصمة، عبر قوات أمنية مسلحة، بشكل يُخل بأمن وسلامة وخصوصية ساكني هذه الأحياء. وتتم هذه المداهمات والتفتيش العشوائي تحت دعاوى ضبط الجريمة.

النوع الاجتماعي
في ظل استحالة إمكانية الحصول على منزل يستوفي الحقوق الأساسية فإن أغلب الأعباء التي تنتج من السكن غير اللائق، تقع على عاتق النساء حيث يحرمن من أبسط الحقوق الأساسية ونيل الخصوصية الكاملة بجانب الوقوع ضحية للعنف الأسري، وبالنسبة إلى النساء الحوامل فإن المعاناة تزيد حيث لا يتلقين أي رعاية كافية.
يشمل هذا أيضًا النساء اللائي قدِمن من مناطق النزاع حيث لا يجدن أي مأوى يمكن أن يعشن فيه نتيجة لانعدام أي توجهات بخصوص السكن وما ترتب عليه من قبل الدولة بالإضافة إلى غياب حق النساء في السكن اللائق.

الشباب
يمثل الشباب الفئة الأكبر في المجتمع السوداني، حيث تتراوح النسبة بين 55٪ إلى 60٪ حسب الإحصائيات الأخيرة، تزداد حاجة الشباب إلى السكن اللائق حيث يمثل معضلة أمامهم في الحصول عليه، ونتيجة لسياسات الدولة تجاه الشباب فإن الأغلبية منهم تتجه إلى البقاء في منزل العائلة دون الانتقال أو البحث عن مسكن لبناء أسرة أو مستقبل.1
مع ازدياد معدلات البطالة وسط الشباب فإن إمكانية الحصول على السكن تظل معدومة، ومع زيادة أسعار الاستئجار نتيجة للضغط الكبير على مناطق الخدمات الأساسية فإنه لا تتوفر أي خيارات سوى المناطق التي تنعدم فيها البنى التحتية والخدمات الأساسية كالماء والكهرباء، والمرافق الصحية.
1 وقع population pyramid، الهرم السكاني في السودان، سبتمبر 2023 https://tinyurl.com/2yetd6m5

البيئية
يقطن النازحون/ات واللاجئون/ات في معسكرات تنعدم فيها أساسيات الخدمات الخاصة من الصرف الصحي والمياه الصالحة للشرب، ما يجعل التبرز وقضاء الحاجة في العراء أمرًا شائعًا. كذلك قطع الأشجار والغابات للحصول على الطاقة ولأغراض إعداد الطعام. 1
1 مقابلة ميدانية مع مدير الهلال الأحمر السوداني، بورتسودان 2024م.

رابعاً-الخدمات العامة

التطورات
في عام ٢٠٢٣م اندلعت المواجهات العسكرية في ولاية الخرطوم ما أثر في ٧٠٪ من المؤسسات الصحية وأكثر من ٤ ملايين منزل في ولاية الخرطوم بالإضافة إلى تعطيل حوالي ٧ من محطات المياه، بالإضافة إلى دمار ما يزيد على ٥ محطات توليد حراري، أثر هذه الوضع في المواطنين في تسع ولايات أخرى ما أدى إلى نزوح حوالي ١٢ مليون شخص حتى تاريخ 1/7/2024م.1
زاد الضغط على بعض الولايات نتيجة لحالات النزوح التي حدثت، ففي بعض الولايات ونتيجة لانهيار المنظومة الصحية فقد تكدس المرضى خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة والأورام في ثلاثة مشافٍ فقط ما عمل على تأخر تقديم الخدمة الطبية، ويأتي مرضى الكلى وسرطان الأطفال ضمن الفئات التي تضررت من جراء تعطيل الخدمات الطبية نتيجة للعمليات العسكرية2.
بسبب تدمير البنى التحتية للكهرباء فقد تأثرت حوالي 16 ولاية نتيجة للعمليات العسكرية، نتج منها انقطاع كلي خلال فصل الخريف وجزئي في الشتاء وتيار غير مستقر في فصل الصيف انعكس ذلك على قدرة السكان على الحصول على المتطلبات الأولية مثل الأغذية البيضاء والأجبان بالإضافة إلى الأدوية التي تتطلب وجودها في مبردات كهربائية، بجانب عدم استقرار في إنتاج مياه الشرب بالإضافة إلى تأثر المستشفيات، ما زاد من تكاليف تلقي العلاج والاعتماد على المولدات من أجل تشغيل المشافي.
1 تقرير لجنة تقصي الانتهاكات، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مجلس الوزراء 2024م
2https://tinyurl.com/yoh5qpwg 2024 الأمم المتحدة. تقرير عن الوضع في السودان.

النوع الاجتماعي
في 2023م تعتبر النساء أعلى الفئات نزوحًا بسبب السياسات التي تجعلهن عرضة لمخاطر كبيرة حيث تأتي المعاناة في فصل الخريف خصوصًا في المناطق الريفية حيث يتجهن إلى أماكن الماء من أجل ضمان استقرار الأسرة وينعكس هذا على عدد الطلاب والطالبات اللائي يمكن أن يدخلن المدرسة فبعض الأسر تعتمد عليهن في الأعمال المنزلية اليومية وأعمال الحقل أيضًا.

الشباب
نتيجة للعمليات العسكرية التي انطلقت في العاصمة فإن الشباب هم أول الذين واجهوا مخاطر الاعتقال والقتل أحيانًا. ويمكن أن نقول إن الشباب هي أكثر الفئات التي يتعذر عليها أن تدخل إلى ساحة المعرفة إما بسبب الظروف أو بسبب إغلاق الجامعات الحكومية والتي يبلغ طلابها حوالي 2 مليون طالب جامعي. وتوقفت حوالي 135 جامعة أهلية وحكومية وتضررت حوالي 30 جامعة بشكل كلي متأثرة بالعمليات العسكرية التي جرت بين الجيش والدعم السريع.1
ينعكس هذا على جودة تلقي الخدمات لهم فلا الأسر يمكنها أن تتحمل التكاليف الشخصية ولا يمكن أن يجدوا أعمالًا تتكفل بمعيشتهم لذلك يقرر البعض إما الهجرة وإما الاتجاه إلى التعدين الأهلي الذي يواجه فيه الشباب خطر الموت إما عطشًا أو نتيجة لانهيار المناجم.
يواجه أيضًا الأطفال البالغ عددهم حوالي 19 مليون طفل مخاطر فقدان التعليم بالإضافة إلى الوصول إلى الخدمات الصحية والتطعيم الصحي حيث بدأت حالات من شلل الأطفال في الظهور بجانب الحصبة وسوء التغذية حيث يحاصر الجوع حوالي 5 ملايين طفل في مناطق مختلفة من السودان خصوصًا الولايات الغربية من السودان.
1 لجنة تقصي الحقائق، مرجع سابق الذكر.

البيئية
تنعدم الرقابة والمتابعة فيما يتعلق بخدمات جمع وتدوير النفايات، الأمر الذي تسبب وما زال يتسبب في كوارث بيئية.

خامساً-التعليم

التطورات
يواجه ملايين الطلاب والتلاميذ في السودان مصيرًا غامضًا مع استمرار الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع وامتدادها إلى نحو 9 ولايات من أصل 18، حيث تعطلت العملية التعليمة كليًّا في ظل نزوح واسع ودمار كبير للمؤسسات التعليمية، كما تحولت مئات المدارس في المناطق الآمنة إلى معسكرات تأوي الفارين من القتال، وتسبب النزاع الدائر على مدى 9 أشهر، في نزوح قرابة 6 ملايين نسمة داخليًّا، نصفهم من الأطفال وحوالي مليون ونصف آخرين لجؤوا إلى دول مجاورة.

النوع الاجتماعي
المدارس لجأت بعد الانقلاب العسكري، إلى تقليص اليوم الدراسي إلى أربع حصص فقط خلال أيام “المليونيات” حتى تتمكن التلميذات من الرجوع إلى منازلهن قبل انطلاق المواكب.
التلاميذ الذين خرجوا من دائرة التعليم وصل عددهم إلى 19 مليونًا، منهم ستة ملايين في المرحلة الابتدائية، ويتوقع أن يتحولوا إلى أميين، ليضافوا إلى ثلاثة ملايين طفل تسرّبوا من المدارس في فترات سابقة، وتقول منظمّة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) ومنظمّة أنقذوا الأطفال، إن واحدًا من كل ثلاثة تلاميذ سيكون خارج المدرسة، في وقت أغلقت أكثر من عشرة آلاف مدرسة أبوابها في المناطق المتضرّرة من النزاع.

الشباب
إن توقف الرواتب منذ 15 إبريل/نيسان 2023 انعكس سلبًا على المعلم اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وهو ما أجبر المئات منهم على البحث عن مهن بديلة وهامشية، بسبب الأوضاع الكارثية التي تحيط بأكثر من 350 ألف معلم وإداري وعامل في قطاع التعليم بينهم مرضى لا يجدون تكاليف العلاج، ومعلمات أرامل يعُلن أسرًا، واجهن جميعًا عمليات نزوح ولجوء إجبارية بدون الحصول على رواتب.

البيئية
إن حوالي 6.5 ملايين طفل فقدوا إمكانية الوصول إلى المدرسة جراء تزايد العنف وانعدام الأمن في مناطقهم، مع إغلاق 10 آلاف و400 مدرسة على الأقل في المناطق المتضررة من النزاع، كما تحولت مدارس كثيرة في المناطق الآمنة إلى مراكز تأوي النازحين، ويقدر عدد 11 مليون تلميذ كان يجب أن يكونوا في المدارس، غابوا عنها طوال هذه الفترة، ويجد 5 ملايين طفل أنفسهم محاصرين في مناطق النزاع النشيط، وهو ما يعرضهم لخطر فقدان الوصول إلى التعليم وخدمات الحماية الأساسية، وفق منظمة إنقاذ الطفولة.

سادساً-الاقتصاد

التطورات
في عام 2023 اندلعت الحرب في 15 إبريل بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ففقد السودان كل المنح المقدمة إليه، وأصبحت معظم الأسر في السودان ليس لها مصادر دخل، وتضاعفت الآثار المدمرة للحرب على سوق العمل والتجارة والزراعة والصناعة1.
من حيث تكلفة الحرب على الاقتصاد السوداني، قدَّر الخبراء الاقتصاديون التكاليف الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة في الاقتصاد السوداني بأكثر من 100 مليار دولار، إذ توقف 70% من النشاط الاقتصادي في السودان. وتُقدر تكلفة المعارك بنحو نصف مليار دولار يوميًّا، اعتمادًا على حجم الخسائر ومعوقات النمو الاقتصادي وتعطيل الخدمات والمرافق الحيوية بالبلاد2.
وبالإضافة إلى انخفاض معدل النمو انخفض معدل النمو الاقتصادي إلى 18.3% وفقًا لتوقعات البنك الدولي لعام 2023. كما بلغت خسارة الناتج المحلي الإجمالي السوداني بنسبة 151.1٪، ومن المتوقع أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي إلى 43.91 مليار دولار في عام 2023. ووفقًا لـ”فيتش سوليوشنز”، فمن المتوقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.1٪ في العام نفسه، بدلًا من توقعاتها السابقة بنمو بنسبة 2.5٪. وتشير “فيتش” إلى أن ارتفاع مستوى عدم الاستقرار في المدن الرئيسية سيؤدي إلى تعطيل النشاط الاستهلاكي وإغلاق الشركات. من جهة أخرى، توقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 18٪ في عام 2023، ما يدعم فكرة حدوث ركود كبير في السودان3.
نتج من الحرب في السودان خسارة الجنيه السوداني أكثر من 50% من قيمته منذ إبريل الماضي، حيث يتم تداول الدولار بأكثر من 1000 جنيه سوداني بعد الحرب، بالمُقارنة بـ600 جنيه قبل الحرب، وتشهد سوق الصرف الموازية تقلبات كبيرة في أسعار العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني، بسبب زيادة الطلب على النقد الأجنبي لتغطية احتياجات المستوردين والمواطنين من المواد الأساسية والطاقة، وانخفاض مستوى الإنتاج المحلي والصادرات، بسبب نقص مخزونها من النقد الأجنبي وتراجع إيرادات التصدير والتحويلات. كما تتأثر عمليات المصارف بالظروف الأمنية المتدهورة في بعض المناطق، حيث تعرضت بعض فروعها للسرقة والنهب خلال فترة الاضطرابات4.
سجلت معدلات التضخم في السودان أعلى مستوياتها، إذ إنها تخطت حاجز الثلاث مئة في المئة عام 2021، حيث سجلت 359.09% ولكن بدأ المعدل في الانخفاض خلال عام 2022، إذ بلغ 138.81%، ومع اندلاع الحرب في السودان، ارتفع معدل التضخم مجددًا بحسب بيانات صندوق النقد الدولي إلى 256.17%، وهو ما يعني ارتفاعه بنسبة 117.4%، وإلى الآن لم تتمكن الحكومة من الإعلان عن مستوى التضخم، مع توقعات بأن يسجل ارتفاعًا كبيرًا في ظل الزيادة الكبيرة في الأسعار5.
تراجعت حركة الصادرات بنحو 60 في المئة بفعل إغلاق المطار الرئيسي بالبلاد، وتوقف العمل بمعظم الموانئ الجافة، بالإضافة إلى اضطرابات سلاسل التوريد الناتجة من الحرب ما أدى إلى تراجع عائدات الصادرات من العملات الصعبة، وتراجع إنتاج السودان من الذهب من 18 طنًّا إلى طنين فقط خلال أشهر الحرب، وفقدت الخزينة السودانية عائدات صادرات الذهب التي تعادل 50% من الصادرات بقيمة ملياري دولار، ويشكل الذهب أهم موارد السودان من العملة الصعبة بعد خروج 75% من موارد النفط بعد انفصال جنوب السودان عن السودان الأم، وهو الأمر الذي جعل مؤسسة “فيتش سوليوشنز” تتوقع انخفاضًا في الصادرات بنسبة 4.4% في عام 2023 وانخفاضًا في الواردات بنسبة 4.2%6.
يُعتبر القطاع الزراعي أهم القطاعات الاقتصادية في السودان، ويعتمد عليه نحو 80 في المئة من السودانيين، إذ يُمثل 40% من الناتج المحلي الإجمالي، وقد تسببت الحرب في تدهور القطاع الزراعي بشكل كبير، حيث انخفضت المساحة المزروعة في البلاد بنسبة 60% عن السنوات السابقة بسبب عدم قدرة البنك الزراعي على تمويل المزارعين، لعدم توافر السيولة الكافية التي تُعاني منها البنوك المختلفة، بالإضافة إلى انخفاض اليوريا في البلاد عن الكمية التي يطلبها المزارعون، فضلًا عن تقليص المساحات وعجز المزارعين عن ممارسة النشاط، ما يزيد المخاوف من فشل الموسم وتأمين الأمن الغذائي واتساع فجوة الجوع، كما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركة “زادنا” العالمية، أكبر شركة زراعية وطنية تساهم في تحقيق الأمن الغذائي ومن هنا انخفض الإنتاج الزراعي بشكل كبير.
تعرض 100 فرع من أفرع البنوك السودانية للنهب والسرقة والتدمير نتيجة الحرب في السودان، وبلغت نسبة الأموال المنهوبة أكثر من 38% في مصارف الخرطوم وحدها. ولم يسلم البنك المركزي السوداني من هذه العمليات التخريبية، وهو ما جعله يُعاني من نقص شديد في السيولة، فكثير من البنوك بدأت تُعاني من مشكلة إدارة ديونها، بعدما تعرضت الشركات الكبرى التي اقترضت منها مبالغ كبيرة للتدمير والنهب، وهو ما جعل البنوك السودانية تواجه مشكلة في تحصيل هذه الديون، الأمر الذي يتسبب في وقوف القطاع المصرفي السوداني على حافة الانهيار7.
1 https://tinyurl.com/2xw6ruqf مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين. اللاجئون في دول جوار السودان. 6 يونيو 2024.
2 https://ecss.com.eg/43540/ آية حمدي، المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، تفاقم المشكلات: التداعيات الاقتصادية للتوترات في السودان، 2024.
3 المرجع السابق.
4 المرجع السابق.
5 المرجع السابق.
6 المرجع السابق.
7 المرجع السابق.

النوع الاجتماعي
في 2023 منذ بداية الحرب في السودان فقدت النساء والفتيات الأعمال الهامشية التي كنَّ يعملن فيها وأصبحن نازحات ولاجئات في المعسكرات بلا عمل. كما اضطررن إلى العمل في مهن غير دائمة خصوصًا الفئات الدنيا كموظفات في دواوين الدولة1.
صدرت إحصاءات أسبوعية، بنزوح 9.9 مليون داخليًّا في جميع ولايات السودان البالغ عددها 18 ولاية في الأسبوع المنتهي 6 يونيو 2024، مقابل 2.8 مليون قبل حرب نيسان/ إبريل 2023، بفارق7.1 مليون منذ ذلك الحين، ويجدر الذكر بأن أكثر من نصف جميع النازحين داخليًّا هم من النساء، وأكثر من ربعهم من الأطفال دون سن الخامسة2.
1 https://alsudantoday.com/ الراكوبة نيوز، ملايين السودانيين فقدوا وظائفهم بسبب الحرب في البلاد، التطورات الاقتصادية، 2024،
2 https://mena.iom.int وكالة الأمم المتحدة للهجرة، عدد النازحين الداخليين في السودان في طريقه ليصبح أكثر من 10 ملايين والمجاعة تقترب،2024.

الشباب
في عام 2023 بعد اندلاع الحرب توقفت الحركة الاقتصادية فنزح عدد كبير من الشباب، ومنهم من أصبح من أطراف النزاع، ومنهم من البعض الآخر أصبحوا لاجئين في دول الجوار بلا عمل.
تأثرت معدلات البطالة بشكل كبير، حيث ارتفع معدل البطالة في السودان من 32.14% في عام 2022 إلى 47.2% عام 2024، وفقًا لإحصاءات صندوق النقد الدولي. وبحسب دراسة لمعهد سياسات الأغذية الأمريكي، توقعت خسارة 5 ملايين وظيفة في السودان بسبب الحرب، ما يعني أن نصف القوة العاملة في البلاد تقريبًا فقدت وظائفها في مجالات عدة، ويرجع هذا الأمر إلى الحالات المتعددة من إغلاق الشركات والمصانع، بسبب تعرضها للنهب والتدمير، والتي نتج منها تسريح عدد كبير من العمالة. كما اتجهت عديد من المؤسسات إلى تسريح الموظفين والعمال بشكل نهائي ومن دون تحمل عبء الحقوق المالية، بينما منحت أخرى موظفيها إجازة مفتوحة من دون رواتب، ونتج من هذا الوضع فقدان نحو 100 ألف وظيفة من بينها فئات عمالية1.
1 https://ecss.com.eg/43540/ آية حمدي، المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، تفاقم المشكلات: التداعيات الاقتصادية للتوترات في السودان، 2024م

البيئية
بعد حرب 15 إبريل التي دارات في معظم ولايات السودان فُرض علي المواطنين النزوح الي ولايات ومحليات أكثر أمانًا، ولم يكن أمام النازحين غير قطع الأشجار وتحويلها الي فحم للطبخ، ففقد السودان خلال 16 شهرًا من الحرب الدائرة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” مساحات شاسعة من الغابات البكر في ظل دمار كبير لحق بالأشجار في العاصمة الخرطوم ومدن عدة في ولايات أخرى جراء ظاهرة القطع العشوائي التي تفاقمت بسبب تطاول أمد الصراع المسلح، فضلًا عن أزمة غاز الطهي بعد انعدامه في محال التوزيع وتوقف مصفاة النفط الرئيسة بمنطقة الجيلي شمال مدينة بحري عن العمل، إذ تغطي 50 في المئة من إنتاج الغاز للاستهلاك المحلي، وبالاضافة إلى المعاناة التي طالت السكان من دون استثناء ودفعت كثيرًا من المواطنين إلى العودة للاحتطاب البدائي وأجبرتهم على قطع أشجار الغابات بأقاليم السودان المختلفة من دون تفرقة بين يابسها أو أخضرها لاستخدامها كوقود للطهي وإعداد الوجبات، علاوة على جمع الأخشاب وبيعها في الأسواق وكذلك أدى رواج تجارة الفحم النباتي المربحة إلى دفع التجار إلى زيادة وتيرة إنتاجه بصورة شكلت خطرًا على الغطاء الشجري، إلى جانب ارتفاع منسوب خطر مضاعفاتها البيئية1.
1 https://almashhadalsudani.com / عثمان الأسباط، المشهد السوداني، زحف صحراوي خطير.. الحرب تجرد السودان من الغطاء النباتي، التطورات الاقتصادية 2024.
خاتمة
من الملاحظ أن الأوضاع الاقتصادية في السودان، قبل الحرب كانت تنذر بانهيار كلي في جميع نواحي الحياة فمع تعويم الجنيه بالإضافة إلى الحزم الاقتصادية التي قامت بها الحكومة الانتقالية وبلا أي مشورة أو جهات حقوقية تعمل على ضبط هذه المسألة، جاءت حرب الخامس عشر من إبريل لتزيد من معاناة المواطنين. لا يمكن التكهن بمتى وكيف يمكن أن تتوقف الحرب لكنه وضع قاسٍ حيث تستمر العمليات العسكرية مخلفة كارثة إنسانية كبيرة ومع زيادة الضغط على الولايات الآمنة فإن تلقي الخدمات بات ضعيفًا بسبب زيادة نسبة الكثافة السكانية، إن أهم طريق حاليًّا إن أردنا أن نخفف من حدة آثار هذه الحرب هي التقييم الذي يمكن من خلاله بناء مجموعة من المؤشرات التي تساعد في وضع خارطة من أجل بناء مسار إعادة الإعمار.